ابن قتيبة الدينوري

47

الإمامة والسياسة ( بيروت )

فقال : يا بن عباس ، إنا كنا وإياكم في زمان لا نرجو فيه ثوابا ، ولا نخاف عقابا ، وكنا أكثر منكم ، فو اللَّه ما ظلمناكم ولا قهرناكم ولا أخرناكم عن مقام تقدمناه ، حتى بعث اللَّه رسوله منكم ، فسبق إليه صاحبكم ، فو اللَّه ما زال يكره شركنا ، ويتغافل به عنا حتى ولي الأمر علينا وعليكم ، ثم صار الأمر إلينا وإليكم فأخذ صاحبنا على صاحبكم لسنه ، ثم غير فنطق ونطق على لسانه ، فقد أوقدتم نارا لا تطفأ بالماء ، 50 فقال ابن عباس . كنا كما ذكرت حتى بعث اللَّه رسوله منا ومنكم ، ثم ولي الأمر علينا وعليكم ، ثم صار الأمر إلينا وإليكم ، فأخذ صاحبكم على صاحبنا لسنه ، ولما هو أفضل من سنه ، فو اللَّه ما قلنا إلا ما قال غيرنا ، ولا نطقنا إلا بما نطق به سوانا ، فتركتم الناس جانبا ، وصيرتمونا بين أن أقمنا متهمين أو نزعنا معتبين [ ( 1 ) ] وصاحبنا من قد علمتم ، واللَّه لا يهجهج مهجهج إلا ركبه [ ( 2 ) ] ، ولا يرد حوضا إلا أفرطه وقد أصبحت أحب منك ما أحببت ، وأكره ما كرهت ، ولعلي لا ألقاك إلا في خير . ذكر القول والمجادلة لعثمان ومعاوية رضي اللَّه عنهما قال : وذكروا أن ابن عباس قال : خرجت إلى المسجد فإنّي لجالس فيه مع علي حين صليت العصر ، إذ جاء رسول عثمان يدعو عليا ، فقال علي : نعم ، فلما أن ولى الرسول أقبل علي فقال : لم تراه دعاني ؟ قلت له : دعاك ليكلمك ، فقال : انطلق معي ، فأقبلت فإذا طلحة والزبير وسعد وأناس من المهاجرين ، فجلسنا فإذا عثمان عليه ثوبان أبيضان ، فسكت القوم ، ونظر بعضهم إلى بعض ، فحمد اللَّه عثمان ، ثم قال : أما بعد ، فإن ابن عمي معاوية هذا قد كان غائبا عنكم وعما نلتم مني ، وما عاتبتكم عليه وعاتبتموني ، وقد سألني أن يكلمكم وأن يكلمه من أراد ، فقال سعد بن أبي وقاص : وما عسى أن يقال لمعاوية أو يقول إلا ما قلت أو قيل لك ؟ فقال علي : ذلكم تكلم يا معاوية ، فحمد اللَّه وأثنى عليه ثم قال : أما بعد يا معشر المهاجرين وبقية الشورى فإياكم أعني وإياكم أريد ، فمن أجابني بشيء فمنكم واحد ، فإنّي لم أرد غيركم ، توفي رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم 51 فبايع الناس أحد المهاجرين التسعة ، ثم دفنوا نبيهم ، فأصبحوا

--> [ ( 1 ) ] معتبين أي ملومين . [ ( 2 ) ] أي لا يصيح صائح مستنكرا إلا أخذ على يده .